الجاحظ
308
الحيوان
318 - [ كرم حاتم وكعب بن مامة ] والعامّة تحكم أنّ حاتما أجود العرب « 1 » ، ولو قدّمته على هرم الجواد لما اعترضته عليهم « 2 » . ولكنّ الذي يحدّث به عن حاتم ، لا يبلغ مقدار ما رووه عن كعب بن مامة ، لأنّ كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم وبذل المجهود فساوى حاتما من هذه الوجه « 3 » ، وباينه ببذل المهجة . ونحن نقول : إنّ الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأنّ كعبا كان كما وصفوا . فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود والحظوظ والاتفاقات ، وإلى علل باطنة تجري الأمور عليها ، وفي الغوص عليها وفي معرفتها بأعيانها عسر ، لما جرت الأمور على هذه المجاري ، ولو كان الأمر فيها مفوّضا إلى تقدير الرأي ، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود ، دون هرم وحاتم . 219 - [ كلف العامة بمآثر الجاهلية ] فإن زعمت أنّ غالبا كان إسلاميّا وكان حاتم في الجاهلية . والناس بمآثر العرب في الجاهليّة أشدّ كلفا ، فقد صدقت . وهذا أيضا ينبئك أنّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي ، وإنّما تجري في الباطن على نسق قائم ، وعلى نظر صحيح ، وعلى تقدير محكم ، فقد تقدّم في تعبيتهما « 4 » وتسويتهما من لا تخفى عليه خافية ، ولا يفوته شيء ولا يعجزه ، وإلّا فما بال أيّام الإسلام ورجالها . لم تكن أكبر في النفوس ، وأحلّ في الصدور من رجال الجاهليّة ، مع قرب العهد وعظم خطر ما ملكوا ، وكثرة ما جادت به أنفسهم ، ومع الإسلام الذي شملهم ، وجعله اللّه تعالى أولى بهم من أرحامهم . ولو أنّ جميع مآثر الجاهليّة وزنت به ، وبما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها ، أو لكانت مثلها .
--> ( 1 ) في الأمثال : « أجود من حاتم طيء » ، وهو في مجمع الأمثال 1 / 182 ، والمستقصى 1 / 53 ، وجمهرة الأمثال 1 / 336 . ( 2 ) في الأمثال : « أجود من هرم » ، وهو في مجمع الأمثال 1 / 188 ، والمستقصى 1 / 55 ، وجمهرة الأمثال 1 / 338 . ( 3 ) في الأمثال : « أجود من كعب بن مامة » ، وهو في مجمع الأمثال 1 / 183 ، والمستقصى 1 / 54 ، وجمهرة الأمثال 1 / 338 . ( 4 ) التعبية : الإعداد والتهيئة ، ومنه تعبئة الجيش .